مجمع البحوث الاسلامية

672

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

يوم القيامة أهوال اليوم وآيات العظمة والقهر ، كقوله تعالى : وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا السّجدة : 12 ، وقوله : اقْرَأْ كِتابَكَ الإسراء : 14 ، ولذلك ذكر بعضهم أنّهم يحشرون أوّلا مبصرين ثمّ يعمون ، وبعضهم أنّهم يحشرون مبصرين ثمّ عميا ثمّ مبصرين . وهذا قياس أمور الآخرة وأحوالها ، بما لها من نظير في الدّنيا ، وهو قياس مع الفارق . فإنّ من الظّاهر المسلّم من الكتاب والسّنّة أنّ النّظام الحاكم في الآخرة غير النّظام الحاكم في الدّنيا الّذي نألفه من الطّبيعة ، وكون البصير مبصرا لكلّ مبصر ، والأعمى غير مدرك لكلّ ما من شأنه أن يرى ، كما هو المشهود في النّظام الدّنيويّ ، لا دليل على عمومه للنّظام الأخرويّ . فمن الجائز أن يتبعّض الأمر هناك ، فيكون المجرم أعمى لا يبصر ما فيه سعادة حياته ، وفلاحه وفوزه بالكرامة ، وهو يشاهد ما يتمّ به الحجّة عليه ، وما يفزعه من أهوال القيامة ، وما يشتدّ به العذاب عليه من النّار وغيرها ، قال تعالى : إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ المطفّفين : 15 . ( 14 : 226 ) وهناك مطالب أخرى راجع « ع م ي » . 7 - . . وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَ تَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً . الفرقان : 20 ابن جريج : إنّ ربّك لبصير بمن يجزع ومن يصبر . ( الطّبريّ 18 : 195 ) نحوه الطّبريّ ( 18 : 195 ) ، والطّوسيّ ( 7 : 481 ) ، والقرطبيّ ( 13 : 19 ) . الغزاليّ : البصير هو الّذي يشاهد ويرى حتّى لا يعزب عنه ما تحت الثّرى ، وإبصاره أيضا منزّه عن أن يكون بحدقة وأجفان ، ومقدّس أن يرجع إلى انطباع الصّور والألوان في ذاته ، كما تنطبع في حدقة الإنسان ، فإنّ ذلك من التّغيّر والتّأثّر المقتضي للحدوث . وإذا نزه عن ذلك كان البصير في حقّه عبارة عن الوصف الّذي به ينكشف كمال نعوت المبصرات ، وذلك أوضح وأجلى ممّا يفهم من إدراك البصر من ظواهر المرئيّات . وحظّ العبد من حيث الحسّ من وصف البصر ظاهر ، ولكنّه ضعيف قاصر ؛ إذ لا يمتدّ إلى ما بعد ، ولا يتغلغل إلى باطن ما قرب ، بل يتناول الظّواهر ، ويقصر عن البواطن والسّرائر . وإنّما حظّه الدّينيّ منه أمران : أحدهما : أن يعلم أنّه خلق البصر لينظر إلى الآيات وعجائب الملكوت والسّماوات ، فلا يكون نظره إلّا عبرة . قيل لعيسى عليه السّلام : هل أحد من الخلق مثلك ؟ فقال : من كان نظره عبرة وصمته فكرة وكلامه ذكرا فهو مثلي . والثّاني : أن يعلم أنّه بمرءى من اللّه تعالى ومسمع ، فلا يستهين بنظره إليه واطّلاعه عليه ، ومن أخفى عن غير اللّه ما لا يخفيه عن اللّه فقد استهان بنظر اللّه . والمراقبة إحدى ثمرات الإيمان ، بهذه الصّفة فمن قارب معصية فهو يعلم أنّ اللّه يراه ، فما أجسره فأخسره ! ومن ظنّ أنّه لا يراه فما أكفره ! ( البروسويّ 6 : 198 ) الطّبرسيّ : أي عليما فيغني من أوجبت الحكمة